في ذكرى رحيله.. حكاية وحيد حامد.. السيناريست الذي "انتصر للناس بالكلمة"

رغم مرور خمس سنوات على رحيله، لا يبدو الكاتب والسيناريست الكبير وحيد حامد اسمًا من أسماء الماضي، بل صوتًا حاضرًا بقوة في الوعي الجمعي، يعيش بيننا عبر أعماله التي لم تفقد بريقها ولا جرأتها ولا راهنيتها.

كان وحيد حامد واحدًا من القلائل الذين آمنوا بأن الفن ليس ترفًا ولا حيادًا، بل موقف أخلاقي ومسؤولية اجتماعية، فكتب للناس وعنهم، وواجه الفساد والتطرف والسلطة بالكلمة الصادقة، ودفع ثمن جرأته اعتراض رقابة وتهديدات، لكنه لم يتراجع يومًا عن قناعاته.

ساهمت نشأة الكاتب الكبير في بيئة ريفية بأن يكون قريبًا من الناس وهمومهم، وهو ما انعكس بوضوح على شخصياته الدرامية التي بدت دائمًا حقيقية ومشحونة بتفاصيل الواقع، ومن مخزون الحياة صاغ حكاياتهم وعبر عن قضايا مهمة في بلده ليكون لسانهم وينتصر بالكلمة للناس.

نصيحة غيرت حياته

موهبة وحيد حامد كانت بوابته للتعبير عما بداخله من خلال الكتابة، لكن نصيحة يوسف إدريس غيرت مجرى حياته، بعد أن قرأ مجموعته القصصية الأولى "القمر يقتل عاشقه" عام 1971، والذي أسدى له نصيحة بأن يتجه للكتابة الدرامية بعد أن بدأ بكتابة القصة القصيرة والمسرح، ليصيغ عوالم من أفكاره وينسجها كشخصيات من لحم ودم بعد تقديمها على الشاشة.

استجاب وحيد حامد للنصيحة، وبدأ رحلته مع الدراما الإذاعية، وحقق نجاحًا لافتًا من خلال أعمال مثل "الفتى الذي عاد" و"بلد المحبوب" و"ولادك يا مصر" و"طائر الليل الحزين"، قبل أن ينتقل بثبات إلى التليفزيون والسينما، ليصبح واحدًا من أكثر كتاب السيناريو تأثيرًا في تاريخ الفن المصري، وعلى مدى مسيرته، قدّم ما يقرب من 86 عملًا فنيًا تنوعت بين الأفلام والمسلسلات والأعمال الإذاعية، وجميعها حملت بصمته الواضحة وجرأته المعهودة.

منذ بداياته، أدرك وحيد حامد أن الكتابة ليست هواية ولا ترفًا ذهنيًا، بل فعل حياة، فكان يعتبر نفسه صيادًا وهو ما عبّر عنه بوضوح في أحد لقاءاته قائلًا إنه يتعامل مع الكتابة كما يتعامل الصياد مع صنارته، يوفر بها لقمة العيش ويواجه بها الإرهاب وينتقد السلطة من أجل الناس، كاشفًا فسادها ومتناقضاتها، تلك الفلسفة شكلت جوهر مشروعه الفني، وجعلت من أعماله وثائق فنية وسياسية واجتماعية بامتياز.

لم يكن وحيد حامد كاتبًا منعزلًا في برج عاجي، بل كان شديد الالتصاق بالشارع والناس، وهو ما جعله يعتاد العمل في أحد الفنادق المطلة على النيل، حيث كان يجلس في ركن ثابت يراقب ويتفاعل مع أشخاص من مختلف الطبقات الاجتماعية، كان يرى في هذا المكان مختبرًا حيًا لشخصياته الدرامية، مؤكدًا دائمًا أنه ابن الشارع، وأن قربه من الناس هو سر صدق كتابته وقدرتها على لمس الجمهور.

اشتهر وحيد حامد بكونه من أبرز منتقدي التطرف والإرهاب، وتناول هذه الظاهرة بجرأة غير مسبوقة في عدد من أعماله، مقدّمًا تحليلًا عميقًا لجذورها الاجتماعية والنفسية، ففي فيلم "الإرهاب والكباب" قدّم رؤية ساخرة ومرعبة في آن واحد، كاشفًا كيف يمكن للبيروقراطية والروتين أن يدفعا إنسانًا بسيطًا إلى حافة الجنون.

وفي فيلم "دم الغزال" تناول تحوّل الطبال الفقير إلى أمير جماعة متطرفة نتيجة القهر والفشل العاطفي، أما فيلم "طيور الظلام"، فشكّل علامة فارقة في كشف تناقضات التيارات الدينية واستغلالها للسلطة، وهو العمل الذي عرّضه لتهديدات مباشرة من إحدى الجماعات الإرهابية، دون أن يتراجع أو يساوم.

وشكّلت علاقة وحيد حامد بالفنان عادل إمام واحدة من أهم الثنائيات في تاريخ السينما المصرية، إذ امتدت لأكثر من 30 عامًا، وقدّما معًا أعمالًا خالدة ناقشت قضايا جوهرية مثل "الغول" و"الهلفوت" و"مسجل خطر" و"اللعب مع الكبار" و"الإرهاب والكباب" و"طيور الظلام" و"النوم في العسل"، وصولًا إلى "عمارة يعقوبيان" الذي كان آخر تعاون سينمائي بينهما.

كما تعاون مع الفنان أحمد زكي في أعمال سياسية واجتماعية فارقة مثل "البريء" و"التخشيبة" و"اضحك الصورة تطلع حلوة"، حيث بلغت جرأة الطرح ذروتها، ووجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الرقابة للدفاع عن أعماله.

خطته لتمرير قضاياه

كان وحيد حامد شديد الذكاء، وأكد في أحد لقاءاته أنه كان يتحايل على الرقابة لتمرير أفكاره وقضايا المهمة من خلال عمل مشهد ساخن به " قبلة" حتى ينشغل مقص الرقابة في حذف هذا المشهد، بينما يمرر هو ما يريده من موضوعات مهمة.

وفي الدراما التليفزيونية، لم يكن تأثيره أقل حضورًا، إذ قدّم مسلسلات تركت أثرًا واسعًا مثل "العائلة" و"الدم والنار" و"شياطين الليل" و"أوان الورد" و"الجماعة" بجزأيه الأول والثاني، وكان بدأ بالفعل في كتابة الجزء الثالث قبل أن يرحل عن عالمنا.

حصل وحيد حامد على جائزة النيل في الفنون عام 2012، وأشرف على ورشة السيناريو بالمعهد العالي للسينما، وكرمته مهرجانات عربية ودولية عديدة، حتى أنه قبل رحيله في مثل هذا اليوم من عام 2021، حظي بتكريم يليق بتاريخه، حيث منحه مهرجان القاهرة السينمائي جائزة الهرم الذهبي التقديرية لإنجاز العمر.

وحيد حامد لم يكن مجرد كاتب سيناريو، بل ضمير فني حي، آمن بأن الكلمة قد تكون أخطر من الرصاصة، وأن الفن حين يكون صادقًا لا يموت.

 

التعليقات