ضباب المخ والزمن الصعب

تفكير بطىء، وتركيز ضعيف، وإحساس بالارتباك، وقلق دائم، وتوتر سريع، وقابلية للاكتئاب، ونسيان بمعدلات أكثر من المعتاد.. مجموعة أعراض قد يشكو منها الإنسان في وقتٍ واحد، واختار لها الأطباء والعلماء عنوانًا واحدًا هو «ضباب المخ».. وهو عنوان أخطأ بعض الصحفيين الإنجليز حين كتبوا وأكدوا أنه إحدى نتائج وباء كورونا وما عاشه الجميع من عزلة وخوف.. فـ«ضباب المخ» تعبير أقدم كثيرًا من ذلك.. وكان أول من استخدمه هو الطبيب البريطانى جيمس تونستال في عام 1850، باعتباره حالة نفسية يفقد فيها الإنسان توازنه واستقراره.. وفى عام 1960 تم اعتماد مصطلح «ضباب المخ» لوصف ما يعانيه أصحاب المهن التي تتطلب قدرًا هائلًا من التفكير.. ومنذ سنتين فقط، عاد الحديث عن ضباب المخ لكن ليس كمرض نفسى هذه المرة وإنما كحالة صحية ونفسية واجتماعية يشكو منها الإنسان نتيجة ضغوط حياة متزايدة وقاسية وزمن صعب كثرت فيه المخاوف والهواجس.

 

وهناك أسباب أخرى قد تؤدى أيضا للإصابة بضباب المخ، مثل نظام غذائى بقصد المحافظة على الرشاقة، فيفتقد الجسم عناصر غذائية ضرورية.. أو الإفراط في تناول بعض أدوية الصداع والمهدئات.. أو خلل في وظائف الغدة الدرقية.. أو انقطاع دورة النساء الشهرية.. لكن تبقى ضغوط الزمن الصعب هي السبب الأول والأهم والأشهر.

 

 

ووضع عدد من الأطباء روشتة العلاج التي تضمنت: النوم الكافى، والغذاء المتوازن، والإقلال من المهدئات والمنبهات، وعدم الاستسلام للعزلة الاجتماعية.. لكن العلاج الأهم والأسرع، حسب تأكيد الأطباء، هو ممارسة الرياضة على الأقل 150 دقيقة في الأسبوع.. والمقصود بالرياضة هنا هو الحركة، حتى لو كانت مجرد سير منتظم على الأقدام أو بعض التدريبات.. وكانت أول حكاية تجمع بين الرياضة وضباب المخ هي ما جرى في أحد المؤتمرات الصحفية ليورجين كلوب، المدير الفنى لفريق ليفربول، حين لاحظ صحفيون اضطراب كلوب في بعض إجاباته، فسارعوا بتشخيص كلوب على أنه أحد المصابين بضباب المخ.. واتضح فيما بعد أن ذلك ليس صحيحًا، ولكن كانت مشكلة عابرة نتيجة السرعة والانفعال أثناء الحديث باللغة الإنجليزية التي ليست اللغة الأم للألمانى كلوب.. ولكن مؤخرًا عاد يتردد على استحياء اتهام كلوب بضباب المخ بعد إخفاقات عديدة وتراجع في أداء ونتائج ليفربول.. وتوقع البعض أن كلوب بات مثل كثيرين جدًا في العالم كله يشكو ضغوطًا متزايدة، فعند نقطة معينة تتساوى وتتشابه ضغوط مَن فشل في تحقيق نجاح وضغوط مَن يريد المحافظة على النجاح.. وفى الرياضة وباقى مجالات الحياة في العالم كله، هناك مصابون بضباب المخ، وهم لا يعرفون ذلك أو لا يعترفون بذلك، ويحتاج هؤلاء إما للتوقف قليلا والتحرر من هذه الضغوط مؤقتا لاستعادة الحياة من جديد، أو تغيير حساباتهم وكسر دوائرهم القديمة المحبوسين داخلها.

 

 

والنصيحة التي قيلت سرًا لـ«كلوب» بضرورة التغيير هي نفسها التي يمكن أن تقال لرياضيين كثيرين بضرورة التوقف والابتعاد، وألا يعودوا إلا بعد استعادة استقرارهم النفسى دون ضغوط أو ضباب المخ.

المقال / ياسر ايوب 

المصرى اليوم

 

 

التعليقات