حكاية الشيخ البربري.. صديق سعد زغلول الذي واجه الاحتلال الإنجليزي بـ"قراءة القرآن الكريم"
كان اليوم عطلة رسمية توقفت فيها الحياة بالقاهرة والمحافظات في ظل وجود الأحكام العرفية التى فرضتها سلطات الاحتلال الانجليزى إبان ثورة 1919 والتي -أي سلطة الاحتلال- حاولت بشتى الطرق والوسائل والرسائل والمسالك والمهالك وقف صوت الثورة الهادر والثائر في بر مصر له، لكنها فشلت فيما كان الصوت -صوت الشعب بكل فئاته- يهدر ويعلو هتافه: "الاستقلال التام أو الموت الزؤام".
بيت الأمة
في هذا اليوم كان الزعيم سعد زغلول يجلس في بيته بوسط القاهرة -سميَّ بعد ذلك بيت الأمة- يتدبر مع زملائه من قادة الثورة الخطوات التالية لمواجهة سلطة الاحتلال، وفي أثناء هذا الاجتماع دخل عليهم شيخٌ معمم اسمه الشيخ محمود البربري، كان يحبه -ويحب قراءته للقرآن الكريم- سعد باشا مثلما كان يحب كتابة وقلم عباس محمود العقاد، ودائمًا ما كان يصفه بالكاتب الجبار.
رحَّب به فور دخوله سعد باشا، وسأله عبدالعزيز باشا فهمى: "يا شيخ بربري كيف اخترقت عساكر الإنجليز وجئت إلينا"؟
رد: "والله.. لما يكون رصين الشارع عساكر.. هاجي يعني هاجي"، يضحك سعد باشا ومن معه ويقول له: "أسمعْنا آيات من الذكر الحكيم يا شيخ بربري".
- حاضر يا باشا..
(كان سعد باشا يعتبره قارءه الوحيد).
اعتدل الشيخ محمود البربري في مقعده، وجاء الخادم له بفنجان القهوة وبدأ القراءة من أول سورة يوسف وظل ساعة يعيد ويزيد في القراءة (هكذا كانت طريقته)، يعيد في الآيات بصوته العذب الشجي، وسعد باشا ومن حوله يرددون: "الله.. الله.. يا مولانا".
سعد باشا زغلول
مرت ساعة وأكثر على هذا اللقاء داخل بيت الأمة فيما كان عساكر الإنجليز خارجه يراقبون الداخلين والخارجين بتركيز شديد، وهم يعلمون -أو لديهم شكوك- في أن هذا الشيخ المعمَّم الذي دخل البيت جاء ليس من أجل قراءة القرآن فقط بل ربما يكون هذا الشيخ يقوم بدوري سياسي مساندًا لسعد ورفاقه، وبناء على هذا الاعتقاد -الذي كان صحيحًا بطبيعة الحال- تم القبض على الشيخ البربري بتهمة غريبة وعجيبة وهى أنه: "صديق سعد".
اعتقال البربري
وتم القبض عليه عندما لاحظ عسكري إنجليزى كان مرابطًا أسفل عمود إنارة بالقرب من بيت الأمة أن الشيخ -الذي دخل قبل ساعة وأكثر- يخرج الآن ويبدو عليه الارتباك حيث يمشي بطريقة مريبة، فاقترب العسكري منه قليلًا فوجده -كانت إضاءة الشارع ضعيفة- يرتدي زيه الأزهري (الجبة والقفطان والعمامة) ويبدو عليه الارتباك.. اقترب العسكري فابتعد الشيخ.. أسرع العسكري فأسرع الشيخ وفي أثناء هذا السجال المكتوم بينهما سقط من جبة الشيخ منشورات كان يخفيها تحت جلبابة فأمسك بها -وبه طبعًا- العسكري قبل أن تصل إلى الثوار في الشوارع، وبعد محاكمة صورية -كمحاكم الاحتلال- تم الحكم على الشيخ محمود البربري بالسجن وترحيله فورًا.
في السجن بدأ الشيخ محمود البربري يقرأ القرآن الكريم، ويلهب حماسهم بالخطب السياسية التى سمعها من سعد باشا للمساجين، فخافت سلطات الاحتلال من قوة تأثيره فقررت حبسه انفراديًا فكان يقترب من (طاقة) الزنزانة ويقرأ القرآن بصوت عالٍ حتى يسمعه كل من في السجن، فقررت السلطات الإفراج عنه.
النفي مع سعد زغلول
وعندما أُعلن عن نفي سعد ورفاقه إلى جزيرة مالطا ذهب الشيخ البربري وسلم نفسه لسلطات الاحتلال لتنفيه مع سعد باشا ورفاقه، وبعد سنوات النفي عاد سعد باشا وظل الشيخ محمود البربري بجواره مؤمنًا بالكفاح ضد الاحتلال، ويقرأ القرآن في كل مكان، وهو يعلم أن الإنجليز يترصدون له لكنه كان مُصِرًّا على دوره الوطني، وكان الناس يعرفون -كما كان سيد درويش كذلك- أنه عدو للإنجليز، ولذلك كانوا يقيمون مآتم وهمية حتى يقرأ فيها القرآن الكريم نكاية في سلطات الاحتلال التي كانت تريد دائمًا إسكات صوته.
عاش الشيخ محمود البربري حتى بلغ التسعين، وعندما مات شيعه آلاف المصريين حيث كان يتقدمهم مكرم عبيد باشا الذي تعلم قراءة القرآن الكريم على يد الشيخ محمود البربري، ليبقى -أي البربري- الشيخ المصري الأول -وربما الأخير- الذي أقلق مضاجع الاحتلال الإنجليزى من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يكن له تلاميذ في تلاوة القرآن الكريم سوى مكرم عبيد باشا (وهو مسيحي) والشيخ سعيد أنور شيخ جامع الخازندار.